سيد قطب

1990

في ظلال القرآن

وفق منهجه - فيعدّ لهم هذا كله عبادة . وحتى الشعائر التي يفرضها عليهم إنما يريد بها إصلاح قلوبهم ومشاعرهم ، لإصلاح حياتهم وواقعهم . . وإلا فما أغناه سبحانه عن عباده أجمعين ! « يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » . . ففرق بين الدينونة للّه الواحد القهار والدينونة للأرباب المتفرقة بعيد « 1 » ! ثم يخطو يوسف - عليه السلام - خطوة أخرى في تفنيد عقائد الجاهلية وأوهامها الواهية : « ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ » . . إن هذه الأرباب - سواء كانت من البشر أم من غير البشر من الأرواح والشياطين والملائكة والقوى الكونية المسخرة بأمر اللّه - ليست من الربوبية في شيء ، وليس لها من حقيقة الربوبية شيء . فالربوبية لا تكون إلا للّه الواحد القهار ؛ الذي يخلق ويقهر كل العباد . . ولكن البشر في الجاهليات المتعددة الأشكال والأوضاع يسمون من عند أنفسهم أسماء ، ويخلعون عليها صفات ، ويعطونها خصائص ؛ وفي أول هذه الخصائص خاصية الحكم والسلطان . . واللّه لم يجعل لها سلطانا ولم ينزل بها من سلطان . . وهنا يضرب يوسف - عليه السلام - ضربته الأخيرة الحاسمة فيبين : لمن ينبغي أن يكون السلطان ! لمن ينبغي أن يكون الحكم ! لمن ينبغي أن تكون الطاعة . . أو بمعنى آخر لمن ينبغي أن تكون « العبادة » ! « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ . أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ . ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . . إن الحكم لا يكون إلا للّه . فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته . إذ الحاكمية من خصائص الألوهية . من ادعى الحق فيها فقد نازع اللّه سبحانه أولى خصائص ألوهيته ؛ سواء ادعى هذا الحق فرد ، أو طبقة ، أو حزب . أو هيئة ، أو أمة ، أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية . ومن نازع اللّه سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر باللّه كفرا بواحا ، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة ، حتى بحكم هذا النص وحده ! وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم ، وتجعله منازعا للّه في أولى خصائص ألوهيته - سبحانه - فليس من الضروري أن يقول : ما علمت لكم من إله غيري ؛ أو يقول : أنا ربكم الأعلى ، كما قالها فرعون جهرة . ولكنه يدعي هذا الحق وينازع اللّه فيه بمجرد أن ينحي شريعة اللّه عن الحاكمية ؛ ويستمد القوانين من مصدر آخر . وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية ، أي التي تكون هي مصدر السلطات ، جهة أخرى غير اللّه سبحانه . . ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية . والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة اللّه ؛ ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته . إنما مصدر الحاكمية هو اللّه . وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة . فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه اللّه وحده . والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه اللّه بسلطانه ، أما ما لم يشرعه اللّه فلا سلطان له ولا شرعية ، وما أنزل اللّه به من سلطان . . ويوسف - عليه السلام - يعلل القول بأن الحكم للّه وحده . فيقول : « أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ » . ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى « العبادة » التي يخص بها اللّه وحده . .

--> ( 1 ) يراجع ما سبق تقريره في هذا الجزء عن قيمة العبودية للّه وحده في واقع الحياة البشرية . ص 1938 - 1943 .